قراءة رواية (أحفاد إلياس) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (أحفاد إلياس)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( زيب سعيد القاضي) |الفصل: (17)
من قال أن المرض النفسي مرض؟
إنما هو شعور يحيط بنا من ضغوطات الحياة.
من قال إن العتمة نقص في النور؟
إنما هي استراحة للعين من إشراق لافت، أو سكونٌ يحتاجه العقل بعد صخب الأيام. ليس كل وجع يحتاج إلى دواء، ولا كل انطفاء يعني أن المصباح قد احترق؛ فربما كان الروح يرتدي رداء الهدوء، أو يبحث عن زاوية بعيدة ليعيد ترتيب أوراقه المبعثرة. رفقًا بأنفسنا حين تضيق، فليست كل ضائقة مرضًا، بل هي الحياة تذكرنا بأننا ما زلنا نشعر، وأن خلف كل عاصفة داخلية، مساحة جديدة للنمو والسلام.
❈-❈-❈
كان الصمت المطبق هو المسيطر عليهم، فهي لا تصدق حتى الآن أنه أحضرها إلى دكتورة نفسية، عقلها لا يستوعب ما قاله، هل يراها مريضة نفسية لذا أحضرها إلى هنا؟!
فاقت من شرودها على صوته الهادئ:
– ممكن نتكلم بعقل؟
التفتت إليه وهمهمت بنبرة ساخرة:
– نتكلم بعقل إزاي بقى؟ مش جنابك شايف إني مجنونة وجايبني لدكتورة نفسية؟ ما توديني السرايا الصفرا أحسن.
تبسم بهدوء وأردف:
– طيب ممكن تهدي لأن عصبيتك مالهاش مبرر.
رفعت حاجبها باستنكار:
– بجد؟ بقى أنا عصبيتي ملهاش مبرر؟! ممكن أعرف جايبني هنا ليه؟ إنتَ عايز مني إيه بالظبط على فكرة أنا رفضت موضوع زواجنا أكتر من مرة وإنتَ إللي مُصر تتجوزني، حابب تلغي الجوازة تمام مفيش مشكلة يبقى ريحت واستريحت وشوف حالك وابعد عني. لكن مش هسمحلك تطلعني مجنونة كمان.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
كان يستمع إليها بإنصات شديد ينتظر حتى تخرج ما في قلبها كاملًا حتى يستطيع أن يتحدث معها بهدوء فهو لا يقصد أنها مجنونة أو مريضة نفسية، لكنها تحتاج بالفعل إلى دكتورة نفسية يجب أن تتحدث مع أحد حتى تستريح.
فاق من شروده على صوتها، وهي تتحدث بحزم:
– أنا عايزة أروح البيت.
رد بنبرة هادئة:
– مش هنروح البيت غير لما تقابلي الدكتورة إنتِ محتاجة لده، أنا مقلتش إنك مريضة نفسية أو مجنونة بس إنتِ محتاجة تتكلمي مع الدكتورة محتاجة حد يساعدك ويخرجك من إللي إنتِ فيه. أنا جنبك ومش هسيبك، وعايز أشوفك أحسن وأقوى من الأول، ده مجرد خطوة عشان ترتاحي وتستعيدي توازنك، فكري في ده عشاني وعشان خاطرك.
أخذت نفس عميق، وهتفت بصوت هامس:
– وأنا مش قادرة على الخطوة دي الوقتِ. لو سمحت سيبني أروح.
تنهد بقلة حيلة وقال:
– طيب حاضر، اهدي خالص، مش هنعمل حاجة غصب عنك، ولا هنروح في أي حتة غير لما تكوني جاهزة ومطمئنة تمامًا.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
صمت لثوانٍ واستطرد قائلًا:
– بصي ليّ أنا مش بضغط عليكِ عشان بحملك فوق طاقتك، ولا عشان شايف إنك ضعيفة. أنا كل همي أني أشوف اللمعة دي راجعة لعينيكِ، وأشوفك مرتاحة بجد، لأن الطريقة اللي إنتِ شايلة بيها الهم لوحدك دي بتوجع قلبي الخطوة دي مش معناها إجبار، دي مجرد باب مفتوح عشان تخرجي من الضلمة دي، وحد فاهم يقدر يسمعك بجد من غير أي أحكام. إحنا مش مستعجلين، ولا هنحرك ساكن غير لما تحسي إنك قادرة وعايزة ده بنفسك خذي كل وقتك وفكري في الموضوع بهدوء، وأنا قاعد جنبك أهوه، ومش هتحرك خطوة واحدة لحد ما ترتاحي وتطمني.
أومأت بتفهم:
– تمام بس لو سمحت سيبني على راحتي وقت ما أحس إني محتاجة ليها وقتها أنا إللي هطلب منك.
رفع يده محذرًا:
– اعتبر ده وعد منك؟
ابتسمت بهدوء:
– وعد.
تبسم بحنو:
– ماشي يا ست البنات طالما مشوار الدكتورة أوت إيه رأيك نتغدا سوا لأني جعان جدًا.
ردت بخجل:
– موافقة.
❈-❈-❈
لا يعلم متى ارتدى ملابسه ولا كيف قادته قدماه إلى هنا بعد ما حدث، لكن على الرغم أنه يجب ألا يراه الآن، لكن كل ما يعلمه الآن أنه يريد رؤيتها وبقوة، وها هو وصل إلى المستشفى ويقف على أعتاب غرفتها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
دق الباب مرة…. اثنان…. ثلاثة وبعدها فتح الباب، ودلف إلى داخل الغرفة وجدها تجلس فوق الفراش شاردة، ترك باب الغرفة مفتوح وتوجه إليها ووقف أمامها مباشرةً.
رفعت رأسها ونظرت إليه، وتقابلت أعينهم في مشهد صامت يحمل ألف معنى. نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تذيب جدران الجفاء والغياب الطويل؛ نظرة اختصرت عتابًا كاد أن يُقال، وشوقًا أثقل كاهل الروح، واعتذارًا صامتًا نطقَتْ به العيون قبل الألسنة.
اقترب بخطوات بطيئة، كمن يخاف أن يتبدد هذا اللقاء كحلم جميل إن بالغ في الحركة، وقال بصوت خافت بالكاد يخرق صمت المكان:
– أخبارك إيه؟
خفضت رأسها وردت بصوت خافت:
– الحمد لله.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
توجه إلى المقعد الوحيد الموجود بالغرفة وجذبه ووضعه جوار فراشها وجلس فوقه وهو يطالعها بعينين متربصتين يستشف الصدق في حديثها:
– إنتِ ليه قاعدة هنا في المستشفى؟
تبسمت متهكمة:
– بألعب باليه.
تبسم رغمًا عنه:
– أنا مش بهزر يا موج.
كتفت ذراعيها فوق صدرها، وتحدثت بنبرة قاطعة:
– وأنا مش بهزر أنا كمان، وأظن إنك عرفت إني مريضة كانسر يبقى هنا عشان بتعالج وإنتَ عارف كده كويس يبقى بتسأل ليه؟
صمتت قليلًا وابتلعت ريقها بمرارة، واسترسلت قائلة:
– إنتَ هنا ليه يا آصف؟ إنتَ جاي تشمت فيّ صح؟
اتسعت مقلتيه بصدمة، ولم يقدر على الصمت أكثر من ذلك وانفجر فيها:
– بس بقى أخرسي خالص إنتَ إيه؟ إنتِ فكراني إيه؟ بقى أنا أشمت فيكِ؟! إنتِ الوحيدة إللي حبيتك يا هانم، وإنتِ أول واحدة كسرتيني ومش بس كسرتيني إنتِ دبحتيني بسكينة باردة يا هانم، وضحيتي بيا وبحبي واختارتي واحد خسيس وفي الآخر عمل إيه؟ سابك أول ما تعبتي وأهو بدل ما تكوني مع زوج بيحبك ويقف جنبك في مرضك قاعدة في أوضة في مستشفى وسط ناس غريبة لا تعرفك ولا تعرفيها شوفتي وصلتي نفسك لأيه؟ أقل واجب كنتِ حاليًا تبقى في بيت أهلك لكن بردوا إنتِ هنا لوحدك.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أنهى حديثه وجدها تبكِ وتنتحب، فنهض من مكانه وظل يدور بالغرفة وهو يمسح على وجهه عدة مرات في محاولة بائسة منه في تهدئة نوبة الغضب التي انتابته أثر إتهامها الصريح الذي لا يقبل به.
– عايز إيه مني يا آصف؟ راجع حياتي ليه من تاني؟ حكايتنا خلصت من زمان، ليه بتفتح الماضي وبتنبش فيه ؟ شوف حياتك بعيد عني وأنا خلاص راضية بحياتي وراضية للي وصلتي ليه، أنا خلاص كلها أيام بقضيها في الدنيا وهموت وهرتاح وهريحكم كلكم مني.
التفت إليّها وهتف بحدة:
– بعد الشر عنك، إنتِ هتخفي وهتبقي بخير بإذن الله، أما أنا رجعت حياتك ليه فأنا رجعت عشان ده إللي المفروض كان يحصل من زمان أنا مش هسيبك يا موج إحنا هنتجوز وهفضل جنبك لغاية ما تقومي بالسلامة وتخفي وترجعي زي الأول وأحسن كمان.
ردت بتحدي:
– بس أنا مش هتجوزك ولا هتجوز غيرك أنا بكرهك وبكره كل الرجالة ابعدوا عني بقى مش عايزة منكم حاجة تاني سيبوني في حالي وبس.
ترددت كلماتها الحادة في المكان كالصاعقة، فوقف مكانه مذهولاً، وقد تلاشَت تلك الابتسامة الهادئة التي كانت تعلو محياه ليحل محلها صدمة عارمة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
شحب وجهه وهو يرى نبرة التحدي والرفض القاطع تشتعل في عينيها، وكأنها ترتدي درعًا من القسوة لتخلف وراءه كل مشاعر اللقاء القديم. تقدّم خطوة واحدة في محاولة يائسة لاحتواء ثورتها، لكنها تراجعت إلى الخلف بسرعة، رافعة يدها لتحذره من الاقتراب أكثر، وهي تلهث من شدة الانفعال.
رمقها بنظرة تجمع بين الألم والذهول، وقال بصوت متحشرج يخفيه قهر عميق:
– هو الزمن قتل جواكِ كل حاجة؟ لدرجة أن تجمعينا كلنا في كفة واحدة؟
أدارت وجهها عنه بسرعة هاربة من دموعها التي أبت إلا أن تفضح انهيارها.
نظر إليَّها نظرة أخيرة، وتحدث بجمود:
– أنا قلت إللي عندي هتجوزك يا موج حتى لو غصب عنك بعد إذنك.
تحرك سريعًا وغادر الغرفة دون أن يلتفت لها، ودون إعطائها فرصة للرفض أو التحدث من الأساس.
❈-❈-❈
حمل الصغير بلطف بين أحضانه وقبل جبهته بحنان، توجه إلى جده وزوجة عمه وجلس برفقتهم في الحديقة حاملًا زين بين ذراعيها.
تبسم إلياس بهدوء:
– زين شكله حبك أوي يا نوح.
رفع لياقة ملابسه، وتحدث بفخر:
– ومين ميحبش نوح بس يا جدو.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
التفت إلى زوجة عمه الشاردة، وربت على كتفها بحنان:
– إنتِ كويسة يا حبيبتى؟
حاولت رسم ابتسامة بسيطة على وجهها، وردت بصوت منهك:
– الحمد لله يا حبيبي.
تحدث إلياس بنبرة هادئة:
– أولادك كبروا خلاص يا هالة وعارفين هما بيعملوا إيه، ومع الأسف كل واحد هينفذ إللي في دماغه حتى لو غلط أنا ممكن أرفض وهما يحترموا كلامي فعلاً بس بالنسبة ليهم أنا هبقى وقفت قدام سعادتهم فهماني يا بنتي؟
تنهدت بقلة حيلة وقالت:
– فاهمة حضرتك بس أنا أم ومن حقي أفرح بولادي بالجوازة إللي تليق بيهم هما ليه مش فاهمين كده؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تدخل نوح في الحوار مصححًا:
– مش مهم إن الجوازة تليق بيهم يا طنط الأهم سعادتهم هتكون فين.
نظرت إليه لثوان، واستطردت قائلة:
– سعادتهم؟! ده الثلاثة جوازات هيبقوا أفشل من بعضهم طيب إلياس وسكت وعدتها وكذلك أوس لأنه مع الأسف هو وسيرين الحياة بينهم تعتبر مستحيلة من زمان لكن آصف إزاي يرجع لي موج دي تاني؟! نسي إللي عملته فيه؟
أجاب نوح ببساطة:
– عشان إللي بيحب بيسامح.
استنكرت حديثه:
– وفين كرامته يا دكتور؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
رد باختصار:
– لو بنتكلم بالعقل والمنطق الكرامة رقم واحد، لكن في حالة بنتكلم بالقلب مفيش كرامة في الحب من الأساس.
لفت نظر إلياس مرام التي تسير في الحديقة بالقرب منهم فتحدث بحزم:
– خلاص قفلوا كلام في الموضوع ده مرام جاية.
ما أن استمع زين إلى اسم مرام حتى ظل ينظر حوله بلهفة وبراءة، وما أن أبصرها حتى تململ فوق قدمه نوح، وهبط سريعًا وهو يركض نحوها بلهفة.
استقبلته هي بابتسامة، وانحنت إلى مستواه وتلقفته في أحضانها وحملته برفق وهي تقبل وجنته.
كان يتابعهم نوح بعينيه، وتمتم بهمس استمع إليه زوجة عمه وجده:
– والله إللي يشوفهم يقوم أم وابنها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تحركت صوبهم على استحياء وألقت التحية:
– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ردد الجميع السلام:
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أشار لها إلياس بابتسامة:
– اتفضلي اقعدي يا بنتي معانا.
جلست باحراج وهي تحمل الصغير، تحدث نوح مخففًا من حدة الموقف:
– أخبارك إيه يا مرام؟
ردت بهدوء:
– الحمد لله.
– يدوم عليكِ الحمد.
❈-❈-❈
بدل نظراته بين مرام زوجة عمه هالة وتمتم بمرح:
– عندي سؤال صغير كده ليكم هو الوقتِ لمَ كنتوا سلايف كنتِ بتقولي لطنط هالة يا أبلة ولجدو يا عمو لما تتجوزي أوس هتقولي ليهم إيه؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
شحب وجهها ولم تجرؤ على الرد، فتطوع إلياس بالرد:
– مرام تقول ليّ إللي تقوله براحتها.
توجه بنظراته إلى هالة وهتف بمزاح:
– أما بقى هالة هتبقى حماتها يعني تشوف يرضيها تقول ليها إيه وتقوله صح يا هالة؟ عايزها تقولك يا طنط ولا يا ماما؟
أجابت باقتضاب:
– تقول إللي تقوله يا عمي براحتها.
حمحم نوح بحرج:
– جدو أنا كنت محتاجة العربية بتاعة حضرتك بكره أخرج شوية.
التفت إليّه وتحدث بنبرة هادئة:
– وليه عربيتي؟ إنتَ تروح بكره المعرض وتنقي العربية إللي تعجبك يا حبيبي.
هز رأسه بنفي، واسترسل بإبانة:
– لا مفيش داعي يا جدو أنا لسه مقدرتش أسافر تاني ولا هستقر هنا.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
نهض إلياس من مكانه وتحدث بحدة:
– مش هتسافر تاني وأختك آخر سنة ليها هتخلص وترجع هي كمان فراق تاني مش هسمح به عايز أموت وإنتوا في حضني.
تمتم الجميع بلهفة:
– بعد الشر عنك.
تجاهل ما قالوه، وتحدث بنبرة حادة:
– الموت مش شرد الموت راحة بس قبل ما أموت هجمع شملكم عايز أموت وأنا مطمئن عليكم وإنتوا إيد واحدة وعلى فكرة المستشفى بتاعتك جاهزة وفي انتظارك.
قطب جبينه بحيرة وتساءل:
– مستشفى إيه يا جدو مش فاهم؟
أجاب ببرود:
– هو إنتَ فاكر إن يوم ما نوح إلياس ينزل مصر هيشتغل في أي مستشفى؟! لا طبعًا هيشتغل في المستشفى بتاعته مستشفى إلياس التخصصي.
تحدث باعتذار:
– لا يا جدو أنا لو هشتغل في مصر هشتغل دكتور في مستشفى كويسة وأنا إللي هبني نفسي بنفسي مفيش داعي للمستشفى دي.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تبسم الجد باستخفاف وقال:
– المستشفى جاهزة على الافتتاح يا دكتور وأنا مش باخد رأيك على فكرة بعد إذنكم.
تركهم ورحل، تنهد نوح بضيق وقال:
– أنا مش حابب كده ويوم ما هكبر عايز أكبر بنفسي واسمي مش بفلوس جدي.
ربتت هالة على ظهره بحنان:
– حبيبي تقدر تعتبر نفسك شغال في المستشفى دي وتكبرها وتكبر نفسك وفي نفس الوقت يبقى مستشفى خاصة بيك وملكك وتضمن إن محدش يضايقك اهدى كده وفكر بعقل يا حبيبي.
زفر باستياء، واستأذن منهم بلباقة:
– بعد إذنكم هتمشى شوية.
غادر المكان وظلت مرام برفقة هالة والصغير زين.
أرادت مرام أن تهدأ من حدة الموقف فتحدثت بابتسامة بسيطة:
– حضرتك كويسة؟
أومأت بايجاب:
– الحمد لله.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
عضت شفتيها بخجل، ورددت بصوت خافت:
– هو حضرتك مضايقة مني؟
ردت بتريث:
– لا يا مرام خلاص الموضوع منتهي وبقى أمر واقع كلها فترة وتبقي مرات ابني ولازم أتقبل ده. المهم عندي هو سعادة ابني وراحته وبس سواء معاكِ أو مع سيرين.
نهضت من مكانها وقالت:
– هطلع أوضتي أرتاح خدي بالك من زين.
أومأت بايجاب:
– حاضر.
رحلت هي الأخرى، وظلت مرام جالسة برفقة الصغير زين تضمه في أحضانها وتحدثه برفق كما لو كان شخص كبير يفهمها:
– أنا تعبت أوي يا زين تعبت من كل حاجة ياريت أقدر أمشي من هنا وأهرب من كل حاجة بس مع الأسف عارفة مهما هربت أبوك هيوصل ليّ ومش هيسبني في حالي
مررت أصابعها المرتجفة على شعر زين الناعم، وهمست بنبرة أشبه بالرجاء:
– تفتكر يا زين هيجي يوم نقدر نعيش فيه براحتنا؟ من غير خوف.. من غير ما نحاسب على كل خطوة ونَفَس؟
أحاطت بكتفيه الصغيرين وكأنها تستمد منه القوة التي تخاذلت في أطرافها، فالهروب ليس سوى أمنية بعيدة المدى في عالم يمسك خيوطه رجل لا يعرف الرحمة.
❈-❈-❈
في مطعم راقي مطل على النيل، كانت تجلس وتين برفقة إلياس وتطلع إلى النيل بشرود، بينما هو يقرأ المنيو كي يقوم بطلب الطعام فهي تركت له تلك المهمة.
أغلق المانيو ومد يده إلى العامل الذي أخذه ورحل، استند هو بمنكبيه فوق الطاولة وتحدث بابتسامة:
– كنت متأكد إن المكان هيعجبك.
نظرت إليه وردت بهدوء:
– المكان حلو فعلاً ومريح.
عاتبها بمزاح:
– إخص عليكِ وأنا إللي كنت مستني رأي تاني.
قطبت جبينها بحيرة وتساءلت:
– رأي تاني إزاي مش فاهمة؟ هو مش إنتَ سألتني عن المكان؟! وأنا جاوبت وقلت رأي المفروض أقول إيه؟
تبسم بحنان وقال:
– تقولي مثلًا إللي أحلى من المكان إننا سوا.
اعتدلت في جلستها وتحدثت بجدية:
– ممكن تبطل بالكلام بالطريقة دي؟ أنا بجد مش فهماك خالص إنتَ ليه بتتعامل كأننا اتنين حبيبة وده بعيد كل البعد عن علاقتنا إنتَ ناسي إنتَ عرفتني إزاي وسبب زواجنا إيه؟
زفر باستياء وقال:
– لا مش ناسي عارف كويس وعارف كمان أن كلها كام شهر وتبقي مراتي يعني كل إللي مريتي به في حياتك قبلي ماضي ولازم تنسيه لأن الماضي مش هيقدم ولا هيأخر مجرد ذكرى سوا حلوة أو وحشة عايزك تفهمي ده يا بنت الناس عرفتي ليه كنت عايزك تروحي لدكتورة نفسية عشان إنتِ محتاجة حد يساعدك تخرجي من الماضي إللي إنتِ عايشة فيه بمزاجك.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أخذ نفس عميق واستطرد قائلاً بجدية:
– وتين حاولي تفوقي لنفسك بأسرع وقت ولازم تخرجي من دور الضحية ده قُلتها ليكِ مرة وهقولها تاني إنتَ أحسن من غيرك وربنا سخر ليكِ عباده يبقوا جنبك عشان يخرجوكي من محنتك ليه إنتِ مُصرة تفضلي زي ما إنتِ عايشي يا حبيبتي حياتك وتقبلي الأمر الواقع إنتِ كلها كام شهر وتكوني أحلى وأجمل عروسة بإذن الله، طلبت منك تاخدي الفيزا تجيبي حاجتك الهانم رافضة وقاعدة في البيت حابسة نفسك وأنا إللي جبت الحاجة وبعدها ليكِ. ممكن توضيح منك لو سمحتِ عايزة توصلي لأيه بكل إللي بتعمليه ده؟ عايزة تبوظي الجوازة؟ مش هتبوظ، عايزة أبعد عنك مش هبعد أنا قدرك وإنتِ قدري أفهمي ده اللقاء نصيب إنتِ نصيبي وأنا نصيبك فهمتي؟ هدي نفسك يا وتين وبلاش تخليني أفقد أعصابي أكتر من كده، أنا خايف عليكِ وعايز أشوفك أحسن الناس، مش هسمح لليأس يهزمك ولا هقبل أصلًا إنك تضيعي مني أو تضيّعي نفسك بنفسك. تعبت وأنا ببرر وألف حوالين نفس النقطة، وكل ده عشان بحبك وعايز بنيان حياتنا يبدأ صح ومش ناقص أي هدم. قومي يا حبيبتي غسلي وشك وافتحي بيبان الأمل، أنا جنبك ومش هسيبك، ومهما حصل بينا أو حوالينا، نهايتها هتكون لينا سوا وتحت سقف واحد. يلا ابتسمي، مستني منك تسمعيني الكلمة اللي تريح قلبي وتطمني عليكِ.
ظلت ترمقه بحيرة، وأومأت بصمت ونهضت من مكانها وتوجهت إلى المرحاض فهي بحاجة إلى غسل وجهها بالفعل لعل الماء البارد يهدأ من حدة توترها.
❈-❈-❈
وصل أوس إلى القصر وفتح له الحرس الأبواب، دلف بسيارته إلى الداخل وقام بركنها في الجراچ وتحرك بتثاقل في الحديقة متوجهًا إلى الداخل لفت نظره مرام تجلس برفقة زين فوق الأرجوحة توجه نحوهم وما أن رأه الصغير قفز وارتمى داخل أحضان والده، تلقفه والده في أحضانه وحمله بحب وقبل جبهته:
– حبيب قلب بابا وحشتني.
مسح رأسه بوداعة في أحضان والده بدلال:
– بابا.
وضع يده في جيبه، وأخرج منه لوح شوكولاته ومد يده إلى صغيره:
– اتفضل يا قلب بابي.
أخذه الصغير منه بلهفة، أنزله أرضًا برفق يلهو بمفرده، وتوجه هو تجاه مرام التي تجلس باستحياء شديد وتتجاهل النظر إليه:
– أخبارك إيه؟
ردت بصوت خافت:
– الحمد لله.
وضع يده في جيبه وأخرج لوح شوكولاته آخر، ومد يده إليها:
– اتفضلي.
نظرت إلى يده الممدودة بتردد:
– بس دي بتاعت زين.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تبسم بخفة وأشار إلى جيبه الآخر:
– متقلقيش عامل حسابي.
أخذتها منه بتردد وقالت:
– شكرًا.
تبسم باتساع حتى ظهرت نواذغه:
– العفو.
بدلت حدقتيها بينه وبين مغلف الشوكلاته التي الذي بين يديها:
– هو مين إللي بيجيب الشوكلاته دي؟
أجاب ببساطة:
– أنا.
تساءلت بصدمة:
– بجد؟! يعني عايز تفهمني إن أوس إلياس بذات نفسه بيروح السوبر ماركت يجيب الشوكلاته لابنه؟!
أومأ بايجاب:
– أيوه إيه المشكلة مستغربة كده ليه؟ حاجة طبيعية على فكرة.
هتفت بتوتر:
– بصراحة يعني إنتَ شخص متكبر ومغرور متوقعتش إنك تعمل كده يعني ممكن يجيب حاجة من سوبر ماركت.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أخذ نفس عميق يعبأ به رئتيه، وتحدث بنبرة هادئة:
– مشكلتك إنك مش شيطاني صح ولا عرفاني على فكرة أنا زي زي أي إنسان عادي بني آدم زي وزيك، عمتًا هانت وقريب أوي هتعرفيني على حقيقتي بعد إذنك.
تركها وغادر وظلت هي تطالع مغلف الشوكلاته بحيرة، انتشلها من حيرتها اقتراب زين منها وهو يطلب فتح مغلف الشوكلاته خاصته.
تبسمت بحب وأخذته منه وقامت بفتحه له وبدأ الصغير يتناوله بنهم شديد وهي تراقبه بعينين تفيض حنانًا تتمنى لو كان رزقها الله بطفلًا مثله فكانت حياتها ستكون أفضل بكثير من ذلك يكفي أن يكون بين أحضانها قطعة صغيرة من روحها.
❈-❈-❈
انتهت من غسل وجهها بالماء البارد وخرجت من المرحاض ولكن فجأة تسمّرت في مكانها والماء البارد يقطر من وجهها، لترتطم ببنية ضخمة داهمتها فجأة دون سابق إنذار. قبل أن تدرك حقيقة ما يجري، دفعت بعنف إلى الداخل وأُغلق الباب بإحكام، ليعزلها في مساحة ضيقة تعبق بأنفاس لاهثة.
ارتدّت للخلف حتى اصطدم ظهرها بالباب المغلق، تجمدت الأطراف وسرى بارد الرعب في مفاصلها؛ فالخطر لم يعد مجرد هاجس يوحي به خيالها، بل أصبح واقعًا ملموسًا يحيط بها من كل جانب.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (زينب سعيدالقاضي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
